بعد سبعة ملايين سنة من الآن، كانت مدينة “أُغنية الجوف” معلّقة في قلب نجمٍ ميت، لا يضيئه احتراق، بل ما تبقّى من ذاكرة الحرارة. من الخارج لم يكن النجم سوى قشرة سوداء كفحمٍ برد منذ دهور، أمّا في الداخل فكان جوفه يلمع بطبقات متداخلة من الأزرق الفاتح والذهبي الخافت، كأن أحدهم حبس الشفق داخل جوهرة عملاقة ثم نسيها.
وقفت لِين فوق شرفة النسج، وأطراف أصابعها تلامس الحاجز البلوري البارد. كان الملمس ناعمًا إلى حدٍّ يُشبه الماء إذا تعلّم الثبات. تحتها انفتحت المدينة في دوائر هابطة: جسور رفيعة من زجاجٍ حيّ، أبراج مجوفة ينساب الضوء داخل جدرانها، وممرات تنحدر نحو آبار الصدى في العمق. من مكانها كانت تسمع الطنين المنتظم لمحركات الجوف، صوتًا منخفضًا يشبه تنفّس مخلوق نائم، يتخلله رنين متقطع كلما عبرت في الأنفاق قطارات الذاكرة.
وصلها عبير خفيف لا يشبه شيئًا من الأرض القديمة التي قرأت عنها في الأرشيف؛ رائحة معدنية ممزوجة بحلاوة باردة، كأن الثلج مرّ فوق زهرةٍ من النحاس. كانت هذه رائحة “الغبار السيري”، البقايا الدقيقة التي تتناثر عند حياكة الذكريات.